عبد الكريم الزبيدي

24

عصر السفياني

تعالى بقتل نبيه ، ولكن اللّه نجّاه من كيد الشيطان ، ورفعه إليه حيّا ، وألقى صورته على الشخص الذي أرشد جند القيصر إليه ، فقتل ذلك الشخص ، وظن الرومان أنهم قتلوا نبيّ اللّه عيسى ابن مريم . ثم تلا ذلك موقف الرومان من تلاميذ عيسى وأتباعهم ، فأودعوهم السجون ، وعذبوهم أشدّ ألوان العذاب ، ولكن اللّه تعالى أراد لدينه الذي أرسل به عيسى عليه السّلام أن يبقى ، وأن ينتشر ، حتى شمل الإمبراطورية الرومانية نفسها . انقسمت تلك الإمبراطورية إلى قسمين : إمبراطورية شرقية كانت عاصمتها القسطنطينية ، وإمبراطورية غربية كانت عاصمتها روما . وقد توسعت الإمبراطورية الغربية حتى شملت كل أوروبا . وبعد أكثر من 500 سنة من قوة إمبراطورية روما وسطوتها وغطرستها بدأ نظامها السياسي والعسكري والاقتصادي بالانحلال ، وبدأ الضعف يدب في جسدها ، وبدأت تدريجيا تفقد القدرة على كافة مناطق الإمبراطورية الشاسعة . ومنذ سنة 476 م بدأت تتعرض لهجمات مستمرة من قبائل البربر التي لم تترك شيئا من حضارة هذه الإمبراطورية إلّا دمرته . وكانت نتيجة هجمات تلك القبائل أن تقطّعت أوصال إمبراطورية روما ، ودمّر أكثرها ، وانقسم ما تبقّى منها إلى قبائل متحاربة . وبذلك تفكّكت الإمبراطورية إلى دويلات صغيرة ، اختفت وراء غيوم العصور المظلمة ، ودخلت أوروبا في ليل طويل من التخلّف . وقضى المسلمون على ما بقي من الإمبراطورية الرومانية في بلاد الشام والإسكندرية وشمال إفريقيا ، ثم سقطت إمبراطورية القسطنطينية بعد أن فتح الخليفة العثماني محمد الفاتح عاصمتها ، وحوّلها إلى مدينة إسلامية . إن انقسام إمبراطورية روما إلى قبائل متحاربة وكيانات صغيرة أدّى إلى تعميق الإحساس القومي لدى تلك القبائل ، فنشأت دول عديدة داخل أوروبا ، أخذ كلّ منها يبني لنفسه كيانا مستقلا ، وبعد عدّة قرون صار لكل كيان اسم دولة ، وحدود معترف بها من قبل الآخرين ، ونظام سياسي خاص بها . وما نشاهده الآن